تابعنا على المواقع التالية...

إحصائيات الموقع...

633502 : عدد زوار الموقع
8 : المتواجدون






صائغ القيم...

    |  المشاهدات : 1509   |  بتاريخ : 9/29/2012 2:25:21 PM

صائغ القيم

لشد ما عُني الكتاب والسنة في نصوص كثيرة أن يبينا صواب أن يجتاز الإنسان مرحلة حياته في هذه الدنيا مستعيناً بالصبر ،مدثراً باليقين، وجاء النص النبوي أن المسلم ما أعطى عطاء خير وأوسع له من الصبر ، لا المال ، ولا الجاه ، ولا غيرها من ملاذ الحياة فالصبر يتساوق مع الأزمات فيكف عنا قسوة نصالها الأزمات تؤلمنا وتؤذينا ، تهد كياننا النفسي ، تقزم شأننا الاجتماعي ، إنها ترجعنا إلى الخلف والناس يتقدمون ، تكسر فينا الفرحة اللعوب ، وتغبش رؤيتنا للجمال والسعادة ، الأزمات مجردة عن اليقين والصبر تشوه وتمسخ نظرتنا لأنفسنا ، أيحب أحدنا أن يحمل بين جنبيه مسخاً مشوهاً ؟! إن الأزمات إن طالت وترسبت واستتبت طمرت النفوس تحت ظلمات من سوء الظن ، وتحقير الذات ، واهتزاز الثقة ، وفقد الأمن النفسي ، إنها تقرح الذات فتئن تحت مطارقها أنيناً يبعث الشجى واليأس وتحشر الأفق كله في عنق زجاجة ما لها من نفاذ والصبر فارس نبيل يحمي الذات ـ أول ما يحميها ـ من هذا الانكسار يحدب على النفس فيشملها بخمائل الأمل ، ويورف عليها من ظلال اليقين ما يبرد غائلة الحوادث ، إنه يلم شتاتها وما تبدد من قيمها ويعليها بعد انحدارها فتصبح سنوات الوحل الملبدة بالألم ، وأيام الضنى الراقدة تحت الضجر ؛ مأثرة ومناقب تالله لقد آثرك الله علينا وهي الكلمة التي نبس بها إخوة يوسف حين رأوا ( الصبر الجميل) قد انتشل ذلك الصبي البريء و الغلام اليافع من غيابة الجب ، و وهدة السجن إلى سدة الحكم والمال. والصبر يبدد كل الهباءات التي تتناثر من الأزمات وتترسب في النفس وتعلوها بغبار اليأس والقنوط ويفتح نوافذ النور للنفس فترى حسناً ما ليس بالحسن إنه يكفكف غرب الاكتئاب فلا يعشش في القلب حيث لا سبيل إلى الخلاص منه و يصوغ النفس بعد أن بددتها الأزمات صياغة جديدة ملؤها الحكمة والنوروينفرد بالوصاية على النفس فيوسع ما ضاق منها ، ويسوي تلك النتوءات التي نبتت في غفلة من التقوى إنه يلبس النفس جلال الحكمة ، وبهاء العلم ، وصفو المودة ،ويعلو بالنفس في أجواز المجد : وأعلم من الله ما لا تعلمون؛ فترى الأشياء والأشخاص والأحداث من علو من جوانب مشرقة لم ترها من قبلويتماهى الصبر مع اليقين ليشكلا قيماً جديدة ويصوغانها صياغة منفردة، أو يحورا القيمة ذاتها إلى محاور واتجاهات لم تكن منحاها سنوات الصبر تعيد ترتيب قائمة الأولويات وتصحح المسار ، تكسر الرغبة الجموح في الإلحاف المادي إن الحالة النفسية للجازع تشبه تماماً انثقاب اللفظ و فروغه من الداخل ، في معاجم اللغة إن الجزع : خرز مثقوب ، وإن لم يثقب لا يسمى جزعاً ، وجزع الوادي : ما انعطف منه كأنه انكسر إذ لم يحتمل زخم الوادي فاتخذ جانباً غير اللجة والجمم وكذا من جزع من أزمةٍ ما فإنه يكون فراغاً من الصبر ومتانة الإيمان ،منكسراً ذاوياً من الألم ، فتتخلله المصيبة وتعيث فيه توتراً وقلقاً ، وتشرد بمشاعره صوب اليأس بعيداً عن مرافئ الأيمان ، وتنسرب الأزمة إلى مكامن قلبه ليجد مسها قارحاً حاداً ، لا يظن أنه ينجيه منها إلا أن تنفلت منه صرخات مفجوعة تتجاوب مع ذلك الفضاء الخالي من اليقين ما الذي ينبعث في نفس الصبور من الحكمة والجمال ووداعة الروح، وإشراقة القلب ما يجعل له ذلك الأجر الكريم: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب أي مروج إيمانية ومدراك يقين يسمو إليها المؤمن بهذه الصفة العظيمة: الصبر إن التعايش مع الإحباط ، وقبوله وتشكيله ، وتلمح مواطن الخير والجمال فيه هو وجه من وجوه الصبر ،فالجزع يهوي بالإنسان في هوة سحيقة من غربة الروح، ويجرد إحساسنا من وارف الرحمة ، و شفيف الإيمان ، إنه يكشط الأمن والطمأنينة من الأعماق فتتقافز النفس مع الإحباط تقافز الريشة في مهب العواصف إن الجزع يلقي بظلال من العتمة على الروح الندية ، ويطمرها تحت أكوام من العمى ، فلا ترى تلك المساحات البيضاء للأحداث والجزع خؤون يسمح للألم أن يهد النفس ويذهب بقوتها واعتكامها ما الذي منح الصبر كل هذه الدرجة العالية عند الله تعالى ؟ إنه يعطي مساحة من التفكير وإنزال الأشياء والأحداث والأشخاص منازلهم : هل يجدر بكثير من الأشياء هذا العناء؟ أ يليق أن نخبئ غير مشاعر الرحمة , والعدل والطهر للآخرين ؟ أصواب هذه الأحداث في طحننا بشيء من القلق؟ فالصبر ما يزال بالإنسان حتى لا يتعاظمه شيء من لعاعة الدنيا،و أوغابها فما أمرّ وأقسى ما قد يصيب الإنسان ؟! آلموت ؟ موت الابن وثمرة الفؤاد؟! الصبر لا يزال بالإنسان حتى يزيل من حسه كل ما أثقلته به الدنيا من أوزارها وكلما تعاظم الإنسان شيء أو حدث نزل بساحته وألم به، ليستفرغ ذلك التوجس، وتتبدد تلك الخيفة, ويتصاغر ذاك التعاظم ، الصبر يزيل هيبة الأحداث من النفوس ، إنه ينزلها منزلتها ويحط من ضخامتها المتوهمة ، ويملأ تلك الثغرات التي يبثها الجزع في النفس فتصلب وتتهيأ لأحداث أعظم ، وأشد وهكذا الصبر لا يزال بالإنسان يهدي مشاعره سواء السبيل ، وتلين نفسه لأقدار الله فلا يرى في الأحداث المهولة التي تصيب سويداءه إلا الجانب الرباني: أقبضتم ابن عبدي؟ أقبضتم ثمرة فؤاده ؟ فما قال؟ قالوا : حمدك واسترجع قال سبحانه: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد (البخاري) لا يزال الصبر بالإنسان يعيد تشكيل أفكاره وهواجسه، حتى يتيقن أن كثيراً من الوهم يكتنف نظرته إلى الدنيا وأحداثها، وأنها لا يحق لها أن تهمنا وتحزننا بما لا يتقاوى أمام التمحيص الصبر يعيد ترتيب الأشياء والأحداث، فلا تكون الدنيا بأحداثها وآلامها في قمة الأولويات، بل يتدحرج تعظيمها إلى قاع الهامش ,ويصبح رضا الله سبحانه، والعناية بمحال نظره هي المفردة الأولى في القائمة وهو الشعور الذي يبده من النفس حين تغمرها ظلمات الأحداث.

نوال حسن الصيرفي
مديرة إدارة التعليم الموازي


  بواسطة : د. صباح الردادي   |   بتاريخ : 11/3/2012 7:38:45 PM  
بارك الله فيك أستاذة نوال، وأشكر لك تعبيرك الجميل عن معنى جليل، ورزقنا الله وأياكم الصبر الجميل، وجعلنا وإياكم من الصابرين اللذين يوفون أجورهم بغير حساب



الاسم الكريم :  
البريد الالكتروني:  
  كتابة التعليق